السيد محمدحسين الطباطبائي

279

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

وسكناته ؛ لأنّ حبّ الشيء يوجب حبّ آثاره ، وهو من آياته وآثاره تعالى ، فلا يزال يشتدّ حبّا حتّى لا يحبّ إلّا وجهه ، ولا يريد إلّا باللّه ، ولا يكره إلّا للّه تعالى ، فينقطع ذكره واشتغاله إلّا بوجهه ، وحديثه إلّا بحديث فيه ذكر ربّه ، وحينئذ يتحقّق عنده من العلم باللّه وصفاته وأفعاله ما لا يتحقّق عند سائر الناس ؛ لأنّ اشتغالهم بغيره سبحانه ، وهمّهم كلّ شيء إلّا ربّهم ، فتنمحي عن نفسه صور العلوم والقصود التي عند غيره من عامّة الناس - من طلب الفضائل مثلا ، والخوف والرجاء لغيره تعالى ولو كان كمالا - ويحلّ محلّه العلم باللّه وآياته . وحينئذ تتبدّل الغاية الأولى - وهي طلب الفضيلة النفسانيّة - إلى غاية أخرى ؛ وهي ابتغاء وجه اللّه سبحانه ، أو وجه اللّه بوجه أدقّ ، ولا شغل له بنفسه ولا بغيره وتتبدّل الامّهات الخلقيّة بامّ واحدة ؛ وهي ما عند اللّه ممّا يحبّه ، ويسقط ترتّب أصولها وفروعها ، ويسقط موضوع الفضائل والرذائل ، كما مرّ ؛ وربّما تبدّل الاعتدال الخلقي في هذا المسلك عنه بحسب المسلكين الآخرين ، فيصير ما هو تهوّر أو تبذير ، فيهما شجاعة أو سخاءا هاهنا . وقد اشتملت الآثار على قصص كثيرة من ذلك ، كما في الكافي عن الصادق - عليه السلام - في إسماعيل النبيّ - عليه السلام - : « إنّما سمّي صادق الوعد لأنّه وعد رجلا في مكان ، فانتظره في ذلك المكان سنة ، فسمّاه اللّه - عزّ وجلّ - صادق الوعد ، ثمّ إنّ الرجل أتاه بعد ذلك ، فقال له إسماعيل : ما زلت منتظرا لك . . . » « 1 » الحديث . وهذا أمر ربّما يحكم العقل العادي بكونه منحرفا عن الاعتدال ، فليت شعري

--> ( 1 ) . الكافي 2 : 105 ، الحديث : 7 .